فصل
قال الفخر:
اعلم أنه تعالى لما أمر بترك ما لا ينبغي بقوله {اتقوا الله} وبفعل ما ينبغي، بقوله {وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة} وكل واحد منهما شاق ثقيل على النفس والشهوة، فإن النفس لا تدعو إلا إلى الدنيا واللذات المحسوسة، والعقل لا يدعو إلا إلى خدمة الله وطاعته والاعراض عن المحسوسات، وكان بين الحالتين تضاد وتناف، ولذلك فإن العلماء ضربوا المثل في مظان تطلب الدنيا والآخرة بالضرتين وبالضدين، وبالمشرق والمغرب، وبالليل والنهار، وإذا كان كذلك كان الانقياد لقوله تهالى: {اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة} من أشق الأشياء على النفس وأشدها ثقلاً على الطبع، فلهذا السبب أردف ذلك التكليف بقوله {وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها، وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان، منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله، ومنهم من يعبده لغرض آخر.
والمقام الأول: هو المقام الشريف العالي، وإليه الإشارة بقوله {وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ} أي من سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته.
والمقام الثاني: دون الأول، وإليه الإشارة بقوله {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 11 صـ 174 - 175}