قال - رحمه الله:
{وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً}
جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ لأنه لم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء «1»
(1) . قال محمود: «لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ... الخ» قال أحمد: والحامل على تفسير الملك بهذه التفاسير أن اللَّه تعالى أنبأ في ظاهر الكلام أنه جعل الجميع ملوكا بقوله: (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) ولم يقل (و جعل فيكم ملوكا) كما قال: (جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ) فلما عمم الملك فيهم، ولا شك أن الملك - المعهود هو الاستيلاء العام - لم يثبت لكل أحد منهم، فيتعين حمل الملك على ما كان ثابتا لجميعهم أو لأكثرهم من الأبعاض المذكورة.
هذا هو الباعث على تفسير الملك بذلك، واللَّه أعلم. وهذا المعنى وإن لم يثبت لكل واحد منهم إلا أنه كان ثابتا لملوكهم وهم منهم، إذ إسرائيل لأب الأقرب يجمعهم، فلما كانت ملوكهم منهم وهم أقرباؤهم وأشياعهم وملتبسون بهم، جاز الامتنان عليهم بهذه الصنيعة، والمعنى مفهوم. وهذا بعينه هو التقرير السالف آنفا في قول اليهود والنصارى (نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) وما بالعهد من قدم. فان قلت: فلم لم يقل إذ جعلكم أنبياء لأن الأنبياء منهم كما قلت في الملوك؟ قلت: النبوة مزية غير الملك. وآحاد الناس يشارك الملك في كثير مما به صار الملك ملكا، ولا كذلك النبوة فان درجتها أرفع من أن يشرك من لم تثبت له مع الثابتة نبوته في مزيتها وخصوصيتها ونعتها، فهذا هو سر تمييز الأنبياء وتعميم الملوك، واللَّه أعلم. [ ]