قوله تعالى {وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم فَتَنقَلِبُواْ خاسرين}
فيه وجهان: الأول: لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى عليه السلام، وذلك لأنه عليه السلام لما أخبر أن الله تعالى جعل تلك الأرض لهم كان هذا وعداً بأن الله تعالى ينصرهم عليهم، فلو لم يقطعوا بهذه النصرة صاروا شاكين في صدق موسى عليه السلام فيصيروا كافرين بالإلهية والنبوّة.
والوجه الثاني: المراد لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض التي خرجتم عنها.
يروى أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر.
وقوله {فَتَنقَلِبُواْ خاسرين} فيه وجوه:
أحدها: خاسرين في الآخرة فإنه يفوتكم الثواب ويلحقكم العقاب،
وثانيها: ترجعون إلى الذل،
وثالثها: تموتون في التيه ولا تصلون إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 11 صـ 157}
وقال الآلوسي:
وقوله سبحانه: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَاركُمْ فَتَنْقَلبُواْ خاسرين} فإن ترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعاً، والأدبار جمع دبر وهو ما خلفهم من الأماكن من مصر وغيرها، والجار والمجرور حال من فاعل {ترتدوا} أي لا ترجعوا عن مقصدكم منقلبين خوفاً من الجبابرة، وجوز أن يتعلق بنفس الفعل، ويحتمل أن يراد بالارتداد صرف قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد صرفاً غير محسوس أي لا ترجعوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى وإليه ذهب أبو علي الجبائي، وقوله تعالى: {فتنقلبوا} إما مجزوم بالعطف وهو الأظهر، وإما منصوب في جواب النهي، قال الشهاب: على أنه من قبيل لا تكفر تدخل النار وهو ممتنع خلافاً للكسائي، وفيه نظر لا يخفى، والمراد بالخسران خسران الدارين. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 6 صـ}
وقال ابن عاشور:
وقوله: {ولا ترتَدّوا على أدباركم} تحذير ممّا يوجب الانهزام، لأنّ ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال.
والارتداد افتعال من الردّ، يقال: ردّه فارتدّ، والردّ: إرجاع السائر عن الإمضاء في سيره وإعادته إلى المكان الذي سار منه.
والأدبار: جمع دُبُر، وهو الظهر.