فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ} ، وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} فَقَوْلُهُ: {ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ} أَمْرٌ يَقْتَضِي التَّبْدِئَةَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فِي اللَّفْظِ وَالْحُكْمِ ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} لُزُومٌ فِي عُمُومِ اتِّبَاعِهِ مُرَتَّبًا إذَا وَرَدَ اللَّفْظُ
كَذَلِكَ.
قِيلَ لَهُ: أَمَّا قَوْلُهُ: {ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ} فَإِنَّمَا وَرَدَ فِي شَأْنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْقِصَّةَ عَلَى وَجْهِهَا ، وَحَفِظَ بَعْضُهُمْ ذِكْرَ السَّبَبِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ،} وَغَيْرُ جَائِزٍ لَنَا أَنْ نَجْعَلَهُمَا حَدِيثَيْنِ وَنُثْبِتُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَوْلَ فِي حَالَيْنِ إلَّا بِدَلَالَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَنَحْنُ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُخَالِفِينَا فِي مُرَادِ اللَّهِ مِنْ التَّبْدِئَةِ بِالْفِعْلِ إذَا بَدَأَ بِهِ فِي اللَّفْظِ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ نُثْبِتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَرَادَ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ حَتَّى نَبْدَأَ بِهِ.