(فصل: من اللطائف الفقهية)
قال الزركشي:
[مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ]
تَارَةً تَقْتَضِي مُقَابَلَةَ الْآحَادِ بِالْآحَادِ
نَحْوَ رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ، قَالَ"اللَّهُ"تَعَالَى" {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [نوح: 7] وَنَحْوَ أَكَلَ الزَّيْدَانِ الرَّغِيفَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَكَلَ رَغِيفًا."
وَقَدْ يَقْتَضِي"مُقَابَلَةَ"الْكُلِّ"لِكُلِّ"فَرْدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى" {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] وَقَوْلِهِ {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ."
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} فَذَكَرَ الْمَرَافِقَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ وَلِكُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ فَصَحَّتْ الْمُقَابَلَةُ وَلَوْ قِيلَ: إلَى الْكِعَابِ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ"بِأَنَّ"لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبًا وَاحِدًا فَذَكَرَ الْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِيَتَنَاوَلَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ كُلِّ رِجْلٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ إلَّا غُسْلُ يَدٍ وَاحِدَةٍ"وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ"،
قُلْنَا: صَدَّنَا عَنْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"وَإِجْمَاعُ"الْأُمَّةِ.
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا"كَثِيرٌ"مِنْ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَمِنْ الْفُرُوعِ الْمَذْهَبِيَّةِ.
فَمِنْ الْأَوَّلِ: قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] .
الْآيَةَ هَلْ الْمُرَادُ تَوْزِيعُ"جَمِيعِ"الصَّدَقَاتِ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَصْنَافِ"أَوْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّدَقَاتِ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَصْنَافِ".
وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ"بِكُلِّ"صَدَقَةٍ صَدَقَةٍ أَوْ يَكْفِي وَضْعُهَا فِي صِنْفٍ.