[سبب نزول آية في صيد الكلاب]
قال الجاحظ:
ولما قال النبيّ عليه الصلاة والسلام لزيد الخيل من الخير ما قال. وسمّاه زيد الخير، ما سأله زيد شيئا، ولا ذكر له حاجة، إلّا أنّه قال: يا رسول الله، فينا رجلان يقال لأحدهما ذريح، والآخر يكنى أبا دجانة، ولهما أكلب خمسة تصيد الظباء، فما ترى في صيدهم؟ فأنزل الله عزّ وجلّ: {يَسْئَلُونَكَ مَا ذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} .
فأوّل شيء يعظّم في عينك شأن الكلب، أنّ هذا الوافد الكريم الذي قيل له ما قيل، وسمّي بما لم يسمّ به أحد لم يسأل إلّا عن شأن الكلب.
وثانية وهي أعظمها: أنّ الله تعالى أنزل فيه عند ذلك آيا محكما فقال: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} فسمّى صيدها طيّبا، ثم قال: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}
مخبرا عن قبولها للتعليم والتأديب. ثم قال: {مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} ولولا أنّ ذلك الباب من التعليم والعلم مرضيّ عند الله عزّ وجلّ، لما أضافه إلى نفسه. ثم قال:
{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} فأوّل شيء يعظم به في عينك إمساكه عليك. وهكذا يقول أصحاب الصيد، إن كل صائد فإنّما يمسك على نفسه إلّا الكلب فإنّه يمسك على صاحبه.
ولو كان الجواب لزيد الخيل سنّة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم لكان في ذلك الرّفعة، فكيف والكتاب فوق السّنّة.
وقد روى هشام أنّ ابن عبّاس سمّى كلاب ذريح هذه وكلاب أبي دجانة فقال:
المختلس، وغلّاب، والقنيص، وسلهب، وسرحان، والمتعاطس.
[كثرة أصناف الكلاب]
والكلاب أصناف لا يحيط بها إلّا من أطال الكلام. وجملة ذلك أنّ ما كان منها للصيد فهي الضّراء، وواحدها ضروة، وهي الجوارح والكواسب، ونحن لا نعرفها إلّا السّلوقيّة وهي من أحرار الكلاب وعتاقها، والخلاسية هجنها ومقاريفها. وكلاب الرعاء من زينيّها وكرديها فهي كرادتها.
وقد تصيد الكلاب غير السّلوقيّة، ولكنّها تقصّر عن السّلوقيّة بعيدا.
وسلوق من أرض اليمن كان لها حديد جيّد الطبع، كريم العنصر حرّ الجوهر. وقد قال النابغة: [من الطويل]
تقدّ السّلوقيّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب