سُورَةُ المَائِدَةِ
(من أحكام المعاملات)
104 - (1) قوله عَزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1] .
أقول:
أصلُ العَقْدِ في اللُّغَةِ: الشَّدُّ والرَّبْطُ.
ثم استُعمل استعمالاً غالِباً في عُهود الحِلْفِ، وأُطلقَ مَجازاً على عُهود اللهِ من التحليلِ والتحريمِ؛ بدليلِ قولهِ تعالى {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] .
فيحتمل أن يكونَ المرادُ بالعُقودِ هُنا عُهودَ الله تعالى؛ بدليل تعقيبه بذكرِ التحليلِ والتحريمِ، وهذا قول ابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -.
ويحتمل أن يكونَ المرادُ ما غلبَ عليه الاستعمالُ، وهذا قولُ قَتادة.
ويحتمل أن يرادَ به الأمرانِ جميعاً.
* ولا شكَّ أن الوفاءَ بجميع ذلكَ واجبٌ.
فأما عقودُ الحلفِ؛ فلقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91] ، وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء: 90] ، وقوله تعالى: {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال: 72] ، وقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] ، وغير ذلك من الآيات والآثار.
والعلمُ يحيط بأن الوفاءَ بالعهدِ من مَعالم الدينِ، ومَكارِم الأخلاق، وقيامِ السياساتِ، فيجب على كل مؤمن من إمامٍ وغيرِه الوفاءُ بما عاهدَ عليهِ، ما لم يكنِ الشرطُ حراماً.
وخرج مسلمٌ في"صحيحه"عن حذيفةَ بن اليمانِ - رضي الله تعالى عنه - قال: ما منعني أن أشهدَ بَدْراً إلا أني خرجْتُ أنا وأبو حلسٍ، قال: فأَخَذَنا كُفّارُ قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمداً؟ قلنا: ما نريدُه، وما نريدُ إلا
المدينةَ، فأخذوا منا عهدَ اللهِ وميثاقَهُ لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نقاتلُ معه، فأتينا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرناه الخبرَ، فقال:"انْصَرِفا، نَفي لَهُمْ بِعَهْدِهم، ونستعينُ اللهَ عليهم".