ومن لطائف ونكات تفسير أبي السعود:
سورة المائدة
{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... (1) }
وتقديم الجار والمجرور على القائم مقام الفاعلِ لما مرَّ مراراً من إظهار العناية بالمقدم لما فيه من تعجيلِ المسرَّةِ والتِّشويقِ إلى المؤخَّرِ، فإنما حقَّه التقديمُ إذا أُخرَ تبقى النفسُ مترقبة إلى وروده فيتمكّن عندها فضلُ تمكن.
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ... (3) }
وتقديمُ الجار والمجرور للإيذانِ من أولِ الأمرِ بأن الإكمالَ لمنفعتهم ومصلحتهم كما في قوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} و {عليكم} في قوله تعالى {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} متعلِّقٌ بـ {أتممت} لا بنعمتي لأن المصدرَ لا يتقدم عليه معمولُه، وتقديمُهُ على المفعولِ الصريحِ لما مر مراتٍ أي أتممتُها بفتح مكةَ ودخولِها آمنين ظاهرين وهدمِ منارِ الجاهلية ومناسكِها، والنهْيِ عن حجِّ المشرك وطوافِ العُرْيان، أو بإكمال الدينِ والشرائع، أو بالهداية والتوفيق.
قيل معنى أتممت عليكم نعمتي أنجزتُ لكم وعدي بقولي {وَلاِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ}
{وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً} أي اخترتُه لكم من بين الأديان وهو الدينُ عند الله لا غيرُ.
{إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... (11) }
وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصَّريحِ للمُسارعةِ إلى بيان رجوعِ ضررِ البسطِ وغائلتِه إليهم حملاً لهم منْ أولِ الأمرِ عَلى الاعتداد بنعمةِ دفعِه، كما أن تقديم {لكم} في قولِه عزَّ وجلَّ {هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض} للمبادرة إلى بيان كونِ المخلوق من منافعِهم تعجيلاً للمَسَرّة.