(لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا(172)
ثم بين - سبحانه - أن المسيح عيسى - عليه السلام - عبد من عباد الله - تعالى -، وأنه لن يستنكف أبدا عن عبادة الله والإذعان لأمره فقال: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ...(172) .
وأصل يسْتَنْكِفَ - يقول القرطبي: نكف، فالياء والسين والتاء زوائد. يقال: نكفت من الشيء واستنكفت منه وأنكفته أي: نزهته عما يستنكف منه. ومنه الحديث: سئل - رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبحان الله فقال: «إنكاف الله من كل سوء» .
يعني: تنزيهه وتقديسه عن الأنداد والأولاد.
قال الزجاج: استنكف أي: أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك.
ومنه الحديث «ما ينكف العرق عن جبينه» أي: ما ينقطع.
وقيل: هو من النّكف وهو العيب. يقال: ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا وكف. أي عيب. أي لن يمتنع المسيح ولن يتنزه عن العبودية لله - تعالى - ولن ينقطع عنها. ولن يعاب أن يكون عبدا لله تعالى.
والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير ما سبقها من تنزيه لله - تعالى - عن أن يكون له ولد، وإثبات لوحدانيته - عز وجل - وإفراده بالعبادة.
وقد روى المفسرون في سبب نزولها أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا يا محمد؟ قال: «ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى، قال صلى الله عليه وسلم: وأى شيء قلت؟ قالوا تقول: إنه عبد الله ورسوله. قال صلى الله عليه وسلم: إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله» .
والمعنى: لن يأنف المسيح ولن يمتنع عن أن يكون عبدا لله، وكذلك الملائكة المقربون لن يأنفوا ولن يمتنعوا عن ذلك، فإن خضوع المخلوقات لخالقها شرف ليس بعده شرف. والله - تعالى - ما خلق الخلق إلا لعبادته وطاعته.
قال - تعالى - وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ.