ومن لطائف ونكات العز بن عبد السلام:
سورة المائدة (5)
قوله عز وجل: {إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك} ... (5: 29) .
كيف يصح أن يريد المعصية منه؟ وإن سلم ذلك كيف يبوء بإثم نفسه وإثم أخيه؟ وإنما يبوء الإنسان بإثم نفسه فقط.
الجواب: أن الإثم يطلق على الذنب وعقوبته كما في قوله تعالى: {يلق آثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة} . والمراد هاهنا العقوبة. فكأنه يقول: إني أريد إن اعتديت علي بالقتل أن ينتقم الله منك، على ذنوبك ما عدا قتلي، وعلى قتلي، ولا يغفر لك من ذلك شيء . فقال ذلك لأخيه ليتعظ وينزجر عن القتل.
قوله عز وجل: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} ... (5: 79) .
فيه إشكال، لأن النهي لا يقع على ما فعل ووقع، وإنما يتعلق بالاستقبال فكيف يذمهم على ما لا يفيد؟ لأنه نهى عما لا يمكن اجتنابه، لأن المفعول لا يمكن اجتنابه.
والجواب: أنه عبر هاهنا بأول الفعل عن جملته كما جاء في حديثه عليه السلام: صلى بي جبريل الظهر في اليوم حين زالت الشمس. والأول يمكن أن ينهي عن التمادي عليه، فيكون المعنى هاهنا: كانوا لا ينهون عن التمادي على المعاصي.
قوله عز وجل: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} ... (5: 103) .
نص أبو علي وغيره على: أن للجعل خمسة محامل في لسان العرب، وهي: التسمية، والفعل، والإلقاء، ومقاربة الفعل، والتعبير. إذا ثبت هذا فقوله سبحانه: {ما جعل الله من بحيرة} وقوله: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} ، وقوله: {أجعل الآلهة إلها واحدا} ليس المراد فيها التسمية، لأن الله تعالى لم ينه في البحيرة عن التسمية، ولا الفعل، لأنه الفاعل لكل شيء ، ولا الإلقاء، لأنه عز وجل لم يرد ذلك وإنما أراد: ما شرع لكم ذلك، وكذلك باقيها.
فهل يكون هذا نقضًا على استقرائهم أو يمكن رده إلى أحد الوجوه المذكورة عنهم؟