ومن فوائد الإمام ابن رجب الحنبلي في السورة الكريمة:
سُورَةُ المَائِدَةِ
قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)
إن البرَّ يطلقُ باعتبار معنيينِ:
أحدُهُما: باعتبارِ معاملةِ الخلقِ بالإحسانِ إليهِم، وربَّما خصَّ بالإحسانِ إلى
الوالدينِ، فيقالُ: برُّ الوالدينِ، ويطلقُ كثيرًا على الإحسانِ إلى الخلقِ عمومًا، وقد صنفَ ابنُ المباركِ كتابًا سماه:"كتاب البرِّ والصلةِ"، وكذلكَ في"صحيح البخاريِّ"، و"جامع الترمذيِّ":"كتاب البرِّ والصِّلة"، ويتضمن هذا الكتاب الإحسانَ إلى الخلقِ عمومًا، ويقدَّم فيه برُّ الوالدينِ على غيرِهِمَا.
وفي حديثِ بهزِ بنِ حكيم، عن أبيه، عن جدِّهِ، أنه قالَ: يا رسولَ اللَّهِ
مَنْ أبرُّ؛ قالَ:"أمُّك"، قال: ثم مَن؟
قال:"ثمَّ أباك"، قال: ثم مَنْ؟ قالَ:"ثم الأقربُ فالأقربُ".
ومن هذا المعنى: قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
"الحجُّ المبرورِ ليسَ له جزاءٌ إلا الجنَّة".
وفي"المسندِ"أنه - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عن برِّ الحجِّ، فقالَ:
"إطعامُ الطَّعام، وإفشاءُ السَّلام".
وفي روايةٍ أخرى:"وطيبُ الكلام".
وكان ابنُ عمرَ رضيَ اللَّه عنهما يقولُ: البرّ شيء هيِّنٌ: وجهٌ طليق وكلامٌ
وإذا قرنَ البر بالتَّقوى، كما في قولِهِ عزَّ وجل: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) ، فقدْ يكونُ المرادُ بالبرِّ: معاملةَ الخلقِ بالإحسانِ، وبالتَقوى:
معاملةَ الحقّ بفعلِ طاعتِهِ، واجتنابِ محرماتِه، وقد يكونُ أُريدَ بالبرّ: فعلُ
الواجباتِ، وبالتقوى: اجتنابُ المحرماتِ، وقولُهُ:(وَلا تَعَاوَنوا عَلَى الإِثْم
والْعُدْوَانِ)، قد يُرادُ با لإثم: المعاصِي، وبالعدوان: ظلمُ الخلقِ، وقد