[من روائع الأبحاث]
قال الخطيب الإسكافي:
سورة المائدة
الآية الأولى منها
قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} وقال في آخر سورة الفتح: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} .
للسائل أن يسأل فيقول: لم رفع {مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} في الآية الأولى ونصبها في الثانية؟.
الجواب أن يقال: لقوله: {لَهُمْ} في الأولى و {مِنْهُمْ} في الثانية فائدة، وذلك أنه لما قال في الأولى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} علم أنهم وعدوا بما هو حق لهم فعدل عن ذكر المفعول إلى جملة تضمنت معناه: والجملة ابتداء وخبر، وهي في موضع مفرد منصوب كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا مغفرة، ومثله قول الشاعر:
وجدنا الصالحين لهم جزاء ... وجنات وعينا سلسبيلا
كأنه قال: وجدنا للصالحين جزاء، وعطف على موضع وجنات وعينا، فاللام في «لهم» داخلة على ضمير الصالحين فكأنها داخلة عليهم، وكأنه قال: وجدنا للصالحين جزاء، وعطف على موضع الجملة التي هي لهم جزاء منصوبا إذ كان موضع الجملة موضع نصب وأما الآية الأخرى فإن منهم فيها متعلقة ب {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وهي من تمامها ولم يكن هناك ما ترتفع به {مَغْفِرَةٌ} فتعدى إليها الفعل الذي هو وعد فجرى على الأصل في نصب المفعول به فإن قال: كيف يحتمل أن يبعض
والقوم الذين أخبر الله عنهم بقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ} مع سائر ما وصفهم الله به فأثنى عليهم بذكره كلهم وعدا {مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} .