[من روائع الأبحاث]
(فصل في تفضيل الملائكة على البشر)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
اختلف أهلُ القبلة في ذلك: فروي عن الحسن البصري أنه قال: جملة الملائكة أفضل من بني آدم، وهو قول المعتزلة.
وقال ابن عباس: جملة بني آدم أفضل من جملة الملائكة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وعن الشافعي ومالك كالمذهبين.
وعندنا في المسألة تفصيل نذكره: وجه قول المعتزلة: قوله تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] فقد فضَّل الملائكة على عيسى لأنه نفيٌ بطريق التأكيد، والشيء إنما يؤكد بما هو أفضل منه وأقوى، ولأن الملائكة خلقوا من النور، وبنو آدم خلقوا من التراب، والنور أفضل، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، وبنو آدم يعصون.
وجه قول ابن عباس: قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} وما كان سجودَ تحيَّةٍ بل لفضلِ المسجود له على الساجد.
وأنبأنا جدّي قال: أنبأنا محمّد بن ناصر بإسناده عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"قالتِ الملائكةُ: أي ربِّ، أعطيتَ بني آدمَ الدُّنيا فأَعطِنا الآخرةَ، فقال الله تعالى: لا أَجْعَل صَالحَ ذرَّيةِ مَنْ خَلَقتُه بيَدِي كمَنْ قلتُ له: كُنْ فكانَ".
ولأنهم يستغفرون لمن في الأرض، والمخدوم أفضل من الخادم.
والجواب: أمَّا الآية التي احتجت بها المعتزلة، فقد قال ابن عباس: إنَّ قومًا عبدوا عيسى والملائكة فنزلت الآية، ومعناها: لن يَستنكفَ المسيح والملائكة من العبادة فكيف يُعبَدان؟
وأمَّا سجود الملائكة لآدم فإنَّما أريد منهم الطاعة، لما نذكر في قصَّة آدم.
وأمَّا الحديث الذي احتَجَّ به ابن عباس، فقال جدي في"الواهية": هذا الحديث لا يصحُّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في إسناده عبد المجيد ابن أبي رَوَّاد، قال ابن حبان: كان يَقلِب الأخبار ويروي المناكير عن المشاهير، فاستحقَّ الترك.
وقال الدارقطني: الموقوف أصحُّ.