ومن لطائف ونكات تفسير الراغب:
سورة المائدة
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) }
«فإن قيل» : ما وجه إضافة البهيمة إلى الأنعام؟
قيل: كقوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) .
وقيل: لما كانت الأنعام في أصل اللغة تقع على كل نعمة جرت مجرى
الصفات، أضيفت البهيمة إليها إضافة اليوم إلى الجمعة، كأنه قال البهيمة التي هي من جملة ما أنعم الله عليكم به.
وقيل: لما كان قد تقدم تحليل الله النعَّم في سورة الأنعام لأن سورة المائدة تأخر نزولها عن الأنعام فيما روي نبه بقوله:
(بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) على تحليل البهيمة الجارية مجرى الأنعام في كونها محللة
فيكون لهذه الآية دالة على تحليل البهيمة وتحليل الأنعام، وما في سورة الأنعام دال على تحليل الأنعام فقط، ويدل على ذلك قول من قال من السلف: بهيمة الأنعام هي بقر الوحش والظبي، لأن المخاطبة للمسافرين إذا كانوا حللاً، وتخصيص المؤمنين بالخطاب قيل: هو تنبيه أن المباحات محظورة على من ليس بمؤمن.
وقيل: بل ذلك تشريف لهم اعتباراً بالسياسات الدنيوية، لأن الملك
يخص بالخطاب الشريف الأمثل فالأمثل.
ولا يتفرع بلفظ الخطاب على الأنام، وإن كانوا في الحكم تبعاً للأماثل، قال وعلى ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) وحكم الكتابيات حكمهن.
قوله تعاليْ: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ...(2)
«إن قيل» : كيف قال هاهنا هذا، وقد قال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ؟
قيل: المأمور به في قوله: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) إباحة المُجازاة للظالم بمثل فعله فسماه باسم الأول.