155 -قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ}
(ما) ههنا صلة مؤكدة، ومعني التأكيد بها: تفخيم شأن ما دخلت عليه بتكثير اللفظ بها.
قال الزجاج: ومعنى (ما) التوكيد، أي: فبنقضهم ميثاقهم حقًّا. قال: الجالب للباء والعامل فيها قوله تعالى: {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] المعنى: بنقضهم ميثاقهم والأشياء التي ذكرت بعده حرمنا عليهم طيبات.
وهذا القول حسن؛ لأنَّ هذه القصة امتدت إلى قوله: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} وقوله تعالى: {فَبِظُلْم} وبدل وتفسير لما ذكر من قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم} و {وَكُفْرِهِمْ} و {وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ} و {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى} وهذا كله ظلم من اليهود.
وقال بعضهم: الجالب للباء محذوف، على تقدير: فبما نقضهم وكفرهم وقتلهم لعناهم وسخطنا عليهم. وهذا يُروى عن قتادة. ويكون الدليل على هذا المحذوف قوله: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} ؛ لأن الطبع على قلوبهم قد دل على معنى اللعن لهم والسخط عليهم. والقول هو الأول.
وباقي الآية إلى قوله: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ} قد سبق تفسيره فيما مضى من الكتاب.
وقوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} قال ابن عباس:"يريد ختم الله عليها". قال أبو إسحاق: معنى طبع في اللغة وختم واحد.
ومضى الكلام في ختم، ويقال: طبع الله على قلب الكافر، أي: ختم عليه فلا يعي وعظًا ولا يوفق لخير.
قال الحسن: إن بين الله وبين العبد حدًا، إذا بلغه طبع على قلبه، فلم يوفق لخير.
وقوله تعالى: {بِكُفْرِهِمْ} قال الزجاج: جعل الله مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم.
وهذا كقوله: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 88] ، وقد مرّ.