(باب في الإيفاء بالعهود)
قال الحَلِيمي:
قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} .
وقال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} .
وقال: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} .
يعني: ما ألزموه أنفسهم من عقد أمر لهم.
وقال: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} .
وقال: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «المؤمنون عند شروطهم» .
فكل من عقد عقداً من العقود التي أثبتتها الشريعة، وجعلت له حكماً من الله تعالى وبين العبد وبين العباد بعضهم من بعض، فصح ذلك منه وانعقد عليه ولزمه أن يوفي به.
وليس له أن يعمل فيما وقع عقده عليه ما يخالف العقد فلا يلائمه.
فأول ذلك أنه إذا تقبل الإسلام وعقده على نفسه، فليس له أن يحدث في إسلامه ما لا يليق به ولا يلائمه، بل يخالفه.
لأن ذلك حبس منه لما ألزمه الله تعالى، وألزمه نفسه بإسلامه وتقبله.
وإذا افتتح صلاة مكتوبة لم يكن له أن يتحلل منها قبل إتمامها، ولا أن يفعل فيها فعلاً لا يليق بالصلاة، ومن ذلك ما يفسدها، وإنما كان كذلك لأن أفعال الصلاة متوالية، فلا انفراد لبعضها عن بعض، فإذا حللها فلا تكون صلاة لأنه قطع تواليها وأزالها عن نظامها، وخالف بذلك ما عقده على نفسه أولاً، ولأنه أحرم بالصلاة ليتبع إحرامها ما يليه شيئاً فشيئاً إلى أن تنقضي الصلاة، فمن خالف ذلك كان ناقضاً لعقده غير مؤت بواجبه.
وإن عقد صوماً مفروضاً أو حجاً مفروضاً ثم أعرض عنه، ولم يأت بما يقتضيه عقده، كان مخالفاً لما أمره الله تعالى به من الإيفاء بالعقود، وكان إثماً حرجاً.
ألا ترى أن الله - عز وجل - كما خاطب الناس بفرض الصيام، فكذلك خاطبهم بإيمانه بعد الدخول فيه، فقال: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} .