[فائدة]
قال الشيخ الشنقيطي:
قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا} .
يعني إن شئتم، فلا يدل هذا الأمر على إيجاب الاصطياد عند الإحلال، ويدل له الاستقرار في القرآن، فإن كل شيء كان جائزاً، ثمَّ حرَّم لموجب، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز نحو قوله هنا: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا} وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض} [الجمعة: 10] ، وقوله: {فالآن بَاشِرُوهُنّ} [البقرة: 187] الآية، وقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنّ} [البقرة: 222] الآية.
ولا ينقض هذا بقوله تعالى: {فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] الآية، لأن قتلهم كان واجباً قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الأربعة سواء قلنا: إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: {فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2] ، أو قلنا: إنها الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: {مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36] .
وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب، فالصيد قبل الإحرام كان جائزاً فمُنع للإحرام، ثم أُمر به بعد الإحلال بقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا} فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز، وقتل المشركين كان واجباً قبل دخول الأشهر الحرم، فمنع من أجلها، ثم أمر به بعد انسلاخها في قوله: {فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم} الآية، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الوجوب.
وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجباً رده، واجباً، وإن كان مستحباً فمستحب، أو مباحاً فمباح.