فصل
قال الفخر:
ظاهر الأمر وإن كان للوجوب إلا أنه لا يفيد ههنا إلا الإباحة.
وكذا في قوله {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِى الأرض} [الجمعة: 10]
ونظيره قول القائل: لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها، فإذا أديت فادخلها، أي فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها، وحاصل الكلام أنا إنما عرفنا أن الأمر ههنا لم يفد الوجوب بدليل منفصل والله أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 11 صـ 104}
وقال الآلوسي:
{وَإِذَا حَلَلْتُمْ} من الإحرام المشار إليه بقوله سبحانه: {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} {فاصطادوا} أي فلا جناح عليكم بالاصطياد لزوال المانع، فالأمر للإباحة بعد الحظر ومثله لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها فإذا أديت فادخلها أي إذا أديت أبيح لك دخولها، وإلى كون الأمر للإباحة بعد الحظر ذهب كثير.
وقال صاحب"القواطع": إنه ظاهر كلام الشافعي في"أحكام القرآن"، ونقله ابن برهان (في"الوجيز") عن أكثر الفقهاء والمتكلمين لأن سبق الحظر قرينة صارفة، وهو أحد ثلاثة مذاهب في المسألة، ثانيها: أنه للوجوب لأن الصيغة تقتضيه، ووروده بعد الحظر لا تأثير له، وهو اختيار القاضي أبي الطيب (الطبري في"شرح الكفاية") والشيخ أبي إسحاق و (ابن) السمعاني والإمام في"المحصول"، ونقله الشيخ أبو حامد الإسفرايني في"كتابه"عن أكثر الشافعية، ثم قال: وهو قول كافة الفقهاء، وأكثر المتكلمين، وثالثها: الوقف بينهما، وهو قول إمام الحرمين مع كونه أبطل الوقف في لفظه ابتداءاً من غير تقدم حظر، ولا يبعد على ما قاله الزركشي أن يقال هنا برجوع الحال إلى ما كان قبل، كما قيل في مسألة النهي الوارد بعد الوجوب.
ومن قال: إن حقيقة الأمر المذكور للإيجاب قال: إنه مبالغة في صحة المباح حتى كأنه واجب، وقيل: إن الأمر في مثله لوجوب اعتقاد الحل فيكون التجوز في المادة كأنه قيل: اعتقدوا حل الصيد وليس بشيء، وقرئ أحللتم وهو لغة في حل، وعن الحسن أنه قرئ {فاصطادوا} بكسر الفاء بنقل حركة همزة الوصل عليها، وضعفت من جهة العربية بأن النقل إلى المتحرك مخالف للقياس، وقيل: إنه لم يقرأ بكسرة محضة بل أمال لإمالة الطاء، وإن كانت من المستعلية. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 6 صـ}