وقد عدد عليه من النعم سبعاً: {إِذْ أَيَّدتُّكَ} {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ} {وَإِذْ تَخْلُقُ} {تُبْرِئُ} {وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى} {وَإِذْ كَفَفْتُ} {وَإِذْ أَوْحَيْتُ} .
(إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(112)
وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريم'، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشيء من التفصيل.
المسألة الأولى: آراء العلماء في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم.
المسألة الثانية: آراء العلماء في نزول المائدة وعدم نزولها.
وللإجابة على المسألة الأولى نقول: لعل منشأ الخلاف في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء} ؟
فإن هذا القول يسشعر بشكهم في قدرة الله على إنزال هذه المائدة.
وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشري - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف في قوله: {إِذْ قَالَ الحواريون} متعلقا بقوله قبل ذلك {قالوا آمَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} .
أي: أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، في الوقت الذي قالوا له فيه {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} فكأنهم ادعوا الإِيمان والإسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا فلو كانوا صادقين في دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} .
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف قالوا: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} بعد إيمنهم وإخلاصهم؟
قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله: (وَإِذْ قَالُواْ) فإذن دعواهم كانت باطلة، وأنهم كانوا شاكين، وقوله: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها: