قال - رحمه الله:
{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ... الآية}
فيه عشر مسائل:
الأُولى قوله تعالى: {اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات} أي"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ"و {اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات} فأعاد تأكيداً أي أُحِلّ لكم الطيبات التي سألتم عنها؛ وكانت الطّيّبات أُبيحت للمسلمين قبل نزول هذه الآية؛ فهذا جواب سؤالهم إذ قالوا: ماذا أُحِلَّ لنا؟.
وقيل: أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم كما يقال: هذه أيام فلان؛ أي هذا أوان ظهوركم وشيوع الإسلام؛ فقد أكملت بهذا دينكم، وأحللت لكم الطّيّبات.
وقد تقدّم ذكر الطَّيّبات في الآية قبل هذا.
الثانية قوله تعالى: {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} ابتداء وخبر.
والطعام اسم لما يؤكل والذبائح منه، وهو هنا خاصّ بالذبائح عند كثير من أهل العلم بالتأويل.
وأما ما حرم علينا من طعامهم فليس بداخل تحت عموم الخطاب؛ قال ابن عباس قال الله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] ثم استثنى فقال: {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} يعني ذبيحة اليهوديّ والنصرانيّ؛ وإن كان النصرانيّ يقول عند الذبح: باسم المَسيح واليهودي يقول: باسم عُزَيْر؛ وذلك لأنهم يذبحون على المِلّة.
وقال عطاء: كُلْ من ذبيحة النصرانيّ وإن قال باسم المَسِيح؛ لأن الله جلّ وعزّ قد أباح ذبائحهم، وقد علِم ما يقولون.
وقال القاسم بن مُخَيْمَرة: كُلْ من ذبيحته وإن قال باسم سَرْجِس اسم كنيسة لهم وهو قول الزهريّ وربيعة والشعبيّ ومكحول؛ ورُوي عن صحابيّين: عن أبي الدرداء وعُبادة بن الصّامت.
وقالت طائفة: إذا سمعت الكتابيّ يسمي غير اسم الله عزّ وجلّ فلا تأكل؛ وقال بهذا من الصحابة عليّ وعائشة وابن عمر؛ وهو قول طاوس والحسن متمسّكين بقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] .