الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... (6) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ طُهْرِ الصَّلَاةِ , فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ بِالْمَاءِ , وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةَ} أَمُرَادٌ بِهِ كُلُّ حَالٍ قَامَ إِلَيْهَا , أَوْ بَعْضُهَا؟ وَأَيُّ أَحْوَالِ الْقِيَامِ إِلَيْهَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ بَعْضُ أَحْوَالِ الْقِيَامِ إِلَيْهَا دُونَ كُلِّ الْأَحْوَالِ , وَأَنَّ الْحَالَ الَّتِي عَنَى بِهَا حَالُ الْقِيَامِ إِلَيْهَا عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ.
عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: «صَلِّ بِطُهُورِكَ مَا لَمْ تُحْدِثْ»
[عن] الْفَضْل بْن الْمُبَشِّرِ , قَالَ:"رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ , فَإِذَا بَالَ أَوْ أَحْدَثَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِفَضْلِ طَهُورِهِ الْخُفَّيْنِ. فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَشَيْءٌ تَصْنَعُهُ بِرَأْيِكَ؟ قَالَ: بَلْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ , فَأَنَا أَصْنَعُهُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ"
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ مِنْ نَوْمِكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ مَعْنِيٌّ بِهِ كُلُّ حَالِ قِيَامِ الْمَرْءِ إِلَى صَلَاتِهِ أَنْ يُجَدِّدَ لَهَا طُهْرًا.
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ الْخُلَفَاءَ , كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ هَذَا أَمْرًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنْ يَتَوَضَّئُوا لِكُلِّ صَلَاةٍ , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالتَّخْفِيفِ.