[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
(ذكر استعمال لزوم المداراة وترك المداهنة مع الناس)
قال ابن حبان البستي:
أنبأنا محمد بْنِ قُتَيْبَةَ اللَّخْمِيُّ بِعَسْقَلانَ وَعُمَرُ بْن سَعِيد بْن سنان الطائي بِمَنْبَجَ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ وَاضِحٍ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطَ حَدَّثَنَا سفيان عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ
قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه الواجب على العاقل أن يلزم المداراة مع من دفع إليه في العشرة من غير مقارفة المداهنة إذ المداراة من المداري صدقة له والمداهنة من المداهن تكون خطيئة عَلَيْهِ والفصل بين المداراة والمداهنة هو أن يجعل المرء وقته في الرياضة لإصلاح الوقت الذي هو له مقيم بلزوم المداراة من غير ثلم في الدين من جهة من الجهات فمتى مَا تخلق المرء بخلق شابه بعض مَا كره اللَّه منه في تخلقه فهذا هو المداهنة لأن عاقبتها تصير إلى قل ويلازم المداراة لأنها تدعو إلى صلاح أحواله ومن لم يدار الناس ملوه كما أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي:
دار من الناس ملالاتهم ... من لم يدار الناس ملوه
ومكرم الناس حبيب لهم ... من أكرم الناس أحبوه
أنبأنا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن أَبِي عون المرياني حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن منيع حَدَّثَنَا ابن المبارك عَن الحسن بْن عمرو عَن منذر الثوري عَن ابن الحنفية قَالَ ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يأتيه اللَّه منه بالفرج أو المخرج
قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه الواجب على العاقل أن يداري الناس مداراة الرجل السابح في الماء الجاري ومن ذهب إلى عشرة الناس من حيث هو كدر على نفسه عيشه ولم تصف له مودته لأن وداد الناس لا يستجلب إلا بمساعدتهم على مَا هم عَلَيْهِ إلا أن يكون مأثما فإذا كانت حالة معصية فلا سمع ولا طاعة والبشر قد ركب فيهم أهواء مختلفة وطبائع متباينة فكما يشق عليك ترك مَا جبلت عَلَيْهِ فكذلك يشق على غيرك مجانبة مثله فليس إلى صفو ودادهم سبيل إلا بمعاشرتهم من حيث هم والإغضاء عَن مخالفتهم في الأوقات أنشدني الأبرش:
قالت وهزت رأسها وتضاحكت ... على الوتجفى أم على العهد توصل
فقلت فلم أفعل فقالت تريده ... فقلت فلم أفعل فقالت ستفعل