قوله تعالى:"بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما واليه المصير"حجة ثانية مسوقة على نحو المعارضة محصلها: أن النظر في حقيقتكم يؤدى إلى بطلان دعواكم أنكم أبناء الله وأحباؤه، فإنكم بشر من جملة من خلقه الله من بشر أو غيره لا تمتازون عن سائر من خلقه الله منهم، ولا يزيد أحد من الخليقة من السماوات والأرض وما بينهما على أنه مخلوق لله الذي هو المليك الحاكم فيه وفي غيره بما شاء وكيفما شاء وسيصير إلى ربه المليك الحاكم فيه وفى غيره، وإذا كان كذلك كان لله سبحانه أن يغفر لمن شاء منهم، ويعذب من شاء منهم من غير أن تمانعه مزية أو كرامة أو غير ذلك من ان يريد في شيء ما يريده من مغفرة أو عذاب أو يقطع سبيله قاطع أو يضرب دونه حجاب يحجبه عن نفوذ المشيئة ومضى الحكم.
فقوله:"بل أنتم بشر ممن خلق"بمنزلة إحدى مقدمات الحجة، وقوله:"ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما"مقدمة أخرى وقوله:"وإليه المصير"مقدمة ثالثة، وقوله:"يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء"بمنزلة نتيجة البيان التي تناقض دعواهم: أنه لا سبيل إلى تعذيبهم. انتهى انتهى. {الميزان حـ 5 صـ 248 - 252}
استكمالا للبحوث السابقة التي تناولت بعض انحرافات اليهود والنصارى، تشير الآية الأخيرة إِلى أحد الدعاوى الباطلة التي تمسك بها هؤلاء، فتقول: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه) .
ولم يكن هذا الإِمتياز الوهمي الذي ادعاه اليهود والنصارى لأنفسهم هو الوحيد من نوعه، إِذ أن القرآن الكريم قد أشار في آيات عديدة إِلى أمثال هذه الإِدعاء.
ففي الآية (111) من سورة البقرة، أشار القرآن إِلى ادعائهم الذي زعموا فيه أن أحداً غيرهم لا يدخل الجنّة، وزعموا أن الجنّة هي حكر على اليهود والنصارى، وقد فند القرآن هذا الادعاء.