[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ولطائف ابن القيم:
قوله في سورة المائدة ردا عليهم قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} يعني أن الأب لا يعذب ابنه والحبيب لا يعذب حبيبه.
وهاهنا نكتة لطيفة جدا قل من ينتبه لها نحن نقررها بسؤال وجواب.
فإن قيل معلوم أن الأب قد يؤدب ولده إذا أذنب والحبيب قد يهجر حبيبه إذا رأى منه بعض ما يكره؟
قيل لو تأملت أيها السائل قوله: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} لعلمت الفرق بين هذا التعذيب وبين الهجران والتأديب، فإن التعذيب بالذنب ثمرة الغضب المنافي للمحبة، فلو كانت المحبة قائمة كما زعموا لم يكن هناك ذنوب يستوجبون عليها العذاب من المسخ قردة وخنازير، وتسلط أعدائهم عليهم يستبيحونهم ويستعبدونهم، ويخربون متعبداتهم، ويسبون ذراريهم.
فالمحب لا يفعل هذا بحبيبه، ولا الأب بابنه.
ومعلوم أن الرحمن الرحيم لا يفعل هذا بأمةٍ إلا بعد فرط إجرامها وعتوها على الله واستكبارها عن طاعته وعبادته، وذلك ينافى كونهم أحبابه فلو أحبوه لما ارتكبوا من غضبه وسخطه ما أوجب لهم ذلك، ولو أحبهم لأدبهم ولم يعذبهم.
فالتأديب شيء، والتعذيب شيء.
والتأديب يراد به التهذيب والرحمة والإصلاح، والتعذيب للعقوبة والجزاء على القبائح فهذا لون، وهذا لون.
(فائدة)
ولو لم يكن في محبة الله إلا أنها تنجي محبه من عذابه لكان ينبغي للعبد أن لا يتعوض عنها بشيء أبدا.
وسئل بعض العلماء أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه فقال في قوله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ} الآية.
وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن يونس عن الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لا يعذب الله حبيبه ولكن قد يبتليه في الدنيا.
وقال الإمام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا أبو غالب قال بلغنا أن هذا الكلام في وصية عيسى بن مريم يا معشر الحواريين تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إليه بالمقت لهم والتمسوا رضاه بسخطهم قالوا يا نبي الله فمن نجالس قال جالسوا من يزيد في أعمالكم منطقه ومن تذكركم بالله رؤيته ويزهدكم في دنياكم علمه.