قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يردّ عليه , فتلا عليه الصوفي هذه الآية: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} . وهذا الذي قاله حسن. وله شاهد في"المسند"للإمام أحمد حيث قال: حدثنا ابن أبي عدي. عن حميد، عن أنس قال: (مر النبيّ صلى الله عليه وسلم في نفرٍ من أصحابه , وصبي في الطريق. فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني! وسعت فأخذته , فقال القوم: يا رسول الله! ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار , قال: فخفضهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: لا , ولا يلقي الله حبيبه في النار) . قال ابن كثير: تفردّ به أحمد. انتهى.
وقال السمرقندي: في الآية دليل أن الله تعالى إذا أحبّ عبده يغفر ذنوبه ولا يعذبه بذنوبه. لأنه تعالى احتج عليهم فقال: {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم} لو كنتم أحباء إليه؟ وقد قال في آية أخرى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] ، ففيها دليل أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم، ولا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيل الله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] .
وقوله تعالى: {بَلْ أَنتُم بَشَرٌ} عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، أي: لستم كذلك بل أنتم بشر: {مِّمَّنْ خَلَقَ} أي: من جنس من خلقه من غير مزية لكم عليهم: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} لمن تاب من اليهودية والنصرانية: {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء} من مات على اليهودية والنصرانية: {وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أي: المرجع، مصير من آمن ومن لم يؤمن. فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 6 صـ 98 - 100}