قال - رحمه الله:
عطفت جملة {كتبنا} على جملة {أنزلنا التّوراة} المائدة: 44).
ومناسبة عطف هذا الحكم على ما تقدّم أنّهم غيّروا أحكام القصاص كما غيّروا أحكام حدّ الزّنى، ففاضلوا بين القتلى والجرحى، كما سيأتي، فلذلك ذيّله بقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون} ، كما ذيّل الآية الدّالّة على تغيير حكم حد الزّنى بقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] .
والكَتْب هنا مجاز في التّشريع والفرض بقرينة تعديته بحرف (على) ، أي أوجبنا عليهم فيها، أي في التّوراة مضمونَ {أنّ النّفس بالنّفس} ، وهذا الحكم مسطور في التّوراة أيضاً، كما اقتضت تعديّة فعل {كتبنا} بحرف (في) فهو من استعمال اللّفظ في حقيقته، ومجازه.
وفي هذا إشارة إلى أنّ هذا الحكم لا يستطاع جحده لأنّه مكتوب والكتابة تزيد الكلام توثّقاً، كما تقدّم عند قوله تعالى: {يأيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه} في سورة البقرة (282) ، وقال الحارث بن حلّزة:
وهل ينقض ما في المهارق الأهواءُ ...
والمكتوب عليهم هو المصدر المستفاد من (أنّ) .
والمصدرُ في مثل هذا يؤخذ من معنى حرف الباء الّذي هو التّعويض، أي كتبنا تعويض النّفسسِ بالنّفس، أي النّفس المقتولة بالنّفس القاتلة، أي كتبنا عليهم مساواةَ القصاص.
وقد اتّفق القرّاء على فتح همزة (أنّ) هنا، لأنّ المفروض في التّوراة ليس هو عين هذه الجمل ولكن المعنى الحاصل منها وهو العوضية والمساواة فيها.
وقرأ الجمهور والعينَ بالعينَ وما عطف عليها بالنصب عطفاً على اسم (أنّ) .
وقرأه الكسائي بالرفع.