والإشارة في قوله {من ذلك} إلى الإيمان في قوله: {هل تنقمون منّا إلا أن آمنّا بالله} الخ باعتبار أنّه منقوم على سبيلِ الفرض.
والتّقدير: ولمّا كان شأن المنقوم أن يكون شرّاً بني عليه التهكّم في قوله: {هل أنبّئكم بشرّ من ذلك} ، أي ممّا هو أشدّ شرّاً.
والمثُوبة مشتقّة من ثَاب يثوب، أي رجع، فهي بوزن مفعولة، سمّي بها الشيء الّذي يثوب به المرء إلى منزله إذا ناله جزاء عن عملٍ عملَه أو سعْي سعاه، وأصلها مثوب بها، اعتبروا فيها التّأنيث على تأويلها بالعطيّة أو الجائزة ثمّ حذف المتعلّق لكثرة الاستعمال.
وأصلها مؤذن بأنّها لا تطلق إلاّ على شيء وجودي يعطاه العامل ويحمله معه، فلا تطلق على الضّرْب والشتم لأنّ ذلك ليس ممّا يثُوب به المرء إلى منزله، ولأنّ العرب إنّما يبْنون كلامهم على طباعهم وهم أهل كرم لنزيلهم، فلا يريدون بالمثوبة إلاّ عطية نافعة.
ويصحّ إطلاقها على الشيء النّفيس وعلى الشيء الحقير من كلّ ما يثوب به المعطَى.
فَجَعْلها في هذه الآية تمييزاً لاسم الزيادة في الشرّ تهكّم لأنّ اللّغة والغضب والمسخ ليست مثوبات، وذلك كقول عمرو بن كلثوم:
قَرَيْنَاكم فعجَّلْنَا قِراكم ... قُبَيْلَ الصبح مِرْداة طحونا
وقول عمرو بن معديكرب:
وخيلٍ قد دَلَفتُ لها بِخيْل ... تَحِيَّةُ بَيْنهم ضرْب وَجِيع
انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 5 صـ}
سؤال: فإن قيل: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في الإساءة؟
قلنا: هذا على طريقة قوله {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] وقول الشاعر:
تحية بينهم ضرب وجيع. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 31}