وإن هذا الكلام المروي يبدو منه أمران: أحدهما أن كل أكل لمال الغير بالباطل يعد سحتا سواء أكان برضاه أم كان بغير رضاه. وثانيهما - أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كانوا لفرط إيمانهم بالحق ووجوب نصرته يرون أن نصرة الحق ودفع الباطل يجب أن تكون لله، وأنه لَا يصح أخذ أجر في نظيرها، ولو كان هدية تعطى في مسمحة ومحبة، حتى لَا يرنق قول الحق بغرض من أغراض الدنيا، وحتى لَا يستغل الجاه، ولكي تعلو معنويات الأمور، ولا تسيطر مادياتها.
وإن اليهود قد اشتهروا بالسحت، وخصوصا في الحكم، وقد أرادوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم بينهم بشرعته رجاء أن يكون في حكمه ما هو أخف من حكم ما عندهم، لَا طاعة لحكمه، وخصوصا للحق عنده، ولذا قال سبحانه: (. . . فإن جَاءوكَ فَاحْكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) يومئ هذا النص الكريم إلى أنهم سيتحاكمون إليه، وقد تحاكموا إليه بالفعل لَا طلبا للحق والعدل، ولكن رجاء التخفيف عمن أرادوا التخفيف عنه، وروى في موضوع التحاكم الذي ذهبوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليحكم فيه عدة روايات تنتهي إلى خبرين:
أولهما - أنهم كانوا يقيمون حد الزنى، إلى أن زنى منهم شاب ذو شرف، فقال بعضهم لبعض؛ لَا يدعكم قومه ترجمونه، ولكن اجلدوه، فجلدوه، وحملوه على إكاف حمار؛ (برذعة) وجعلوا وجهه قبل ذنب الحمار، ثم زنى بعد ذلك وَضِيعٌ ليس له شرف وليس له من يحامي عليه، فقالوا: ارجموه، ثم وجد من بينهم من استنكر تلك التفرقة، فقالوا: كيف لم ترجموا الذي قبله، ولكن اصنعوا بهذا مثل ما صنعتم بسابقه، ثم قالوا: سلوه لعلكم تجدون عنده رخصة. وكأنهم استثقلوا إقامة الحد، وأرادوا أن يترخصوا، ويقبلوا حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حكم توراتهم يجب أن ينفذ، وأنه لَا يصح الفرار من هذا الحكم، وإن ذل الأمم يكون إذا غيرت الأحكام فيها لأجل الأقوياء، وبدلت على حسب الأهواء.