قال - رحمه الله:
قَوْله تَعَالَى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا وَجَبَ الْحُكْمُ عَلَى ضُعَفَائِهِمْ أَلْزَمُوهُمْ إيَّاهُ، وَإِذَا وَجَبَ عَلَى أَغْنِيَائِهِمْ لَمْ يَأْخُذُوهُمْ بِهِ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: أَفَحُكْمُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ تَبْغُونَ وَأَنْتُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَقِيلَ: إنَّهُ أُرِيدَ بِهِ كُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ إلَى حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ مَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ فَاعِلُهُ بِجَهَالَةٍ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ.
قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا} إخْبَارٌ عَنْ حُكْمِهِ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ مِنْ غَيْرِ مُحَابَاةٍ؛ وَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ إنَّ حُكْمًا أَحْسَنُ مَنْ حُكْمٍ كَمَا لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ نَصًّا وَعَرَفَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرِ كَانَ الْأَفْضَلُ أَحْسَنَ.
وَكَذَلِكَ قَدْ يَحْكُمُهُ الْمُجْتَهِدُ بِمَا غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ، لِتَقْصِيرٍ مِنْهُ فِي النَّظَرِ أَوْ لِتَقْلِيدِهِ مَنْ قَصَّرَ فِيهِ. انتهى انتهى. {أحكام القرآن للجصاص حـ 3 صـ}