قوله جلَّ من قائل: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ...(44) .
كون التوراة هدى ونور هو بما كان يهدى بها في ظلمات الجهل، ويستبان بها سبيل مرضاة الله - جلَّ جلالُه - من
مواقع غضبه وسخطه وجميع ما يكرهه، وكذلك جميع الكتب.
وكونها هدى هو بما يهدي بها الله من اتبع رضوانه سبل السلام، وحكم الهداية
أولاً والنور من وراء ذلك.
ثم قال عزَّ من قائل:(يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ
وَالْأَحْبَارُ)وجميع الأنبياء مسلمون، والمراد بهم هَاهُنَا من لدن موسى - عليه السلام - إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -.
والأحبار على الأغلب هم علماء الأحكام والربانيون هم العلماء بالله وأحكامه
العالمون بطاعة الرب - جلَّ جلالُه - الذين فرغوا أنفسهم للعلم والعمل حتى عرفوا به، ونسبوا
إليه، لأنهم أهل التقوى والورع.
قال الله - جلَّ جلالُه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
وقال - عز وجل: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) . فاستاق
ذكرهم في معرض المدح، وعرض بالائتمام بهم.
قوله - جلَّ جلالُه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ...(48) .
أي: القرآن(بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)الحق المذكور هنا - والله أعلم - ما حفَّه به
حين الإنزال من الحفظ، وأراده من حكمة وفرقان، واحتوشه به من الرصد، وما
جعله - عز وجل - عليه من الإعجاز، وأراد به من حكمة وفرقان ونور وهداية، وبيان حلال