قال - رحمه الله:
{وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يسارعون فِى الكفر} خوطب صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة للتشريف والإشعار بما يوجب عدم الحزن، والمراد بالمسارعة في الشيء الوقوع فيه بسرعة ورغبة، وإيثار كلمة {فِى} على إلى للإيذان بأنهم مستقرون في الكفر لا يبرحون، وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها، كإظهار موالاة المشركين وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك.
والتعبير عنهم بالموصول للإشارة بما في حيز صلته إلى مدار الحزن، وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهياً للكفرة عن أن يحزنوه صلى الله عليه وسلم بمسارعتهم في الكفر لكنه في الحقيقة نهي له عليه الصلاة والسلام عن التأثر من ذلك والمبالاة، والغرض منه مجرد التسلية على أبلغ وجه وآكده، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني وقطع له من أصله.
وقرئ {يَحْزُنكَ} بضم الياء وكسر الزين من أحزن وهي لغة، وقرئ يسرعون يقال أسرع فيه الشيب أي وقع فيه سريعاً أي لا تحزن ولا تبال بتهافتهم في الكفر بسرعة حذراً ما قيل من شرهم وموالاتهم للمشركين فإن الله تعالى ناصرك عليهم، أو شفقة عليهم حيث لم يوفقوا للهداية فإن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
{مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم} بيان للمسارعين في الكفر، وقال أبو البقاء: إنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل {يسارعون} أو من الموصول أي كائنين من الذين الخ، والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا لظهور فساده وتعلقها به على معنى بذي أفواههم أي يؤمنون بما يتفوهون به من غير أن تلتف به قلوبهم مما لا ينبغي أن يلتفت إليه من له أدنى تمييز {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} جملة حالية من ضمير {قَالُواْ} ، وقيل: عطف على {قَالُواْ} .