فصل
قال القرطبي:
قوله تعالى: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} تقدم الكلام فيها، وأنها ناسخة للتخيير.
قال ابن العربي: وهذه دعوى عريضة؛ فإن شروط النسخ أربعة: منها معرفة التاريخ بتحصيل المتقدّم والمتأخر، وهذا مجهول من هاتين الآيتين؛ فامتنع أن يدعى أن واحدة منهما ناسخة للأُخرى، وبقي الأمر على حاله.
قلت: قد ذكرنا عن أبي جعفر النحاس أن هذه الآية متأخرة في النزول؛ فتكون ناسخة إلا أن يقدّر في الكلام {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} إن شئت؛ لأنه قد تقدّم ذكر التخيير له، فآخر الكلام حُذف التخيير منه لدلالة الأوّل عليه؛ لأنه معطوف عليه، فحكم التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان وليس الآخر بمنقطع مما قبله؛ إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بد من أن يكون قوله: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} معطوفاً على ما قبله من قوله: {وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط} [المائدة: 42] ومن قوله: {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] فمعنى {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} أي أحكم بذلك إن حكمت واخترت الحكم؛ فهو كله محكم غير منسوخ؛ لأن الناسخ لا يكون مرتبطاً بالمنسوخ معطوفاً عليه، فالتخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك محكم غير منسوخ، قاله مكي رحمه الله.
"وَأَنِ احكم"في موضع نصب عطفاً على الكتاب؛ أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله، أي بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 6 صـ}