فإن كان ذلك في الآخرة أن يراد بالمكان حقيقة، إذ هو جهنم، وإن كان في الدنيا فيكون كناية واستعارة للمكانة في قوله: أولئك شر، لدخوله في ياب الكناية كقولهم: فلان طويل النجاد وهي إشارة إلى الشيء بذكر لوزامه وتوابعه قبل المفضول، وهو مكان المؤمنين، ولا شر في مكانهم.
وقال الزجاج: شر مكاناً على قولكم وزعمكم.
وقال النحاس: أحسن ما قيل شرّ مكاناً في الآخرة من مكانكم في الدنيا، لما يلحقكم من الشر.
وقال ابن عباس: مكانهم سقر، ولا مكان أشد شراً منه.
والذي يظهر أن المفضول هو غيرهم من الكفار، لأن اليهود جاءتهم البينات والرسل والمعجزات ما لم يجئ غيرهم كثرة، فكانوا أبعد ناس عن اتباع الحق وتصديق الرسل وأوغلهم في العصيان، وكفروا بأنواع من الكفر والرسل، تنتابهم الغيبة بعد الغيبة، فأخبر تعالى عنهم بأنهم شر من الكفار.
{وأضل عن سواء السبيل} أي عن وسط السبيل، وقصده: أي هم حائرون لا يهتدون إلى مستقيم الطريق. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 3 صـ}
قال - رحمه الله:
يقول تعالى: قل يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب: {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ} أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعًا كما في قوله: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8] وكقوله: {وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة: 74] وفي الحديث المتفق عليه:"ما ينقم ابن جَميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله". (1)
(1) رواه البخاري في صحيحه برقم (1468) ورواه مسلم في صحيحه برقم (983) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.