[من روائع الأبحاث]
(فَصْلٌ: في حَالَةُ الْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ)
قال القاضي عياض:
قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنَ الْبَشَرِ ..
وَأَنَّ جِسْمَهُ وَظَاهِرَهُ خَالِصٌ لِلْبَشَرِ يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الْآفَاتِ وَالتَّغْيِيرَاتِ وَالْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَتَجَرُّعِ كَأْسِ الْحِمَامِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْبَشَرِ. وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِنَقِيصَةٍ فِيهِ .. لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُسَمَّى نَاقِصًا بِالْإِضَافَةِ إلى ما هو أتم فيه وأكمل من نوعه وقد كتب الله عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ فِيهَا يَحْيَوْنَ، وَفِيهَا يَمُوتُونَ، وَمِنْهَا يُخْرَجُونَ.
وَخَلَقَ جَمِيعَ الْبَشَرِ بِمَدْرَجَةِ الْغِيَرِ.
فَقَدْ مَرِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاشْتَكَى وَأَصَابَهُ الْحَرُّ وَالْقَرُّ، وَأَدْرَكَهُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَلَحِقَهُ الْغَضَبُ وَالضَّجَرُ، وَنَالَهُ الْإِعْيَاءُ وَالتَّعَبُ، وَمَسَّهُ الضَّعْفُ وَالْكِبَرُ، وَسَقَطَ فَجُحِشَ شِقُّهُ» وَشَجَّهُ الْكُفَّارُ وَكَسَرُوا رُبَاعِيَّتَهُ، وَسُقِيَ السُّمُّ، وَسُحِرَ، وَتَدَاوَى وَاحْتَجَمَ، وَتَنَشَّرَ وَتَعَوَّذَ، ثُمَّ قَضَى نَحْبَهُ فَتُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَحِقَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَتَخَلَّصَ مِنْ دَارِ الِامْتِحَانِ وَالْبَلْوَى.
وَهَذِهِ سِمَاتُ الْبَشَرِ الَّتِي لَا مَحِيصَ عَنْهَا. وَأَصَابَ غَيْرَهُ مِنَ الأنبياء ما هو أعظم فَقُتِّلُوا قَتْلًا، وَرُمُوا فِي النَّارِ، وَنُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَهُ كَمَا عُصِمَ بَعْدُ نبينا من الناس.
فَلَئِنْ لَمْ يَكْفِ نَبِيَّنَا رَبُّهُ يَدَ ابْنِ قميئة يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَا حَجَبَهُ عَنْ عُيُونِ عِدَاهُ عِنْدَ دَعْوَتِهِ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَقَدْ أَخَذَ عَلَى عُيُونِ قُرَيْشٍ عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى ثَوْرٍ، وَأَمْسَكَ عَنْهُ سَيْفَ غَوْرَثٍ، وَحَجَرَ أَبِي جَهْلٍ، وَفَرَسَ سُرَاقَةَ.
وَلَئِنْ لَمْ يَقِهِ مِنْ سِحْرِ ابْنِ الْأَعْصَمِ، فَلَقَدْ وَقَاهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُمِّ الْيَهُودِيَّةِ ..