وإذ قد كان في الكلام دلالة اقتضاء لا محالة فلا وجه للاستدلال بلفظ الآية على صحّة تقديم الكفّارة.
وأصل هذا الحكم قول مالك بجواز التكفير قبل الحنث إذا عزم على الحنث.
ولم يستدلّ بالآية.
فاستدلّ بها الشافعي تأييداً للسنّة.
والتكفيرُ بعد الحنث أولى. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 5 صـ}
قال الفخر:
{واحفظوا أيمانكم}
فيه وجهان: الأول:
المراد منه قللوا الأيمان ولا تكثروا منها قال كثير:
قَليلُ الألا يا حافظٌ ليمينه .. وإن سبقت منه الأَليَّةُ بَرَّتِ
فدل قوله (وإن سبقت منه الألية) على أن قوله (حافظ ليمينه) وصف منه له بأنه لا يحلف.
الثاني: واحفظوا أيمانكم إذا حلفتم عن الحنث لئلا تحتاجوا إلى التفكير، واللفظ محتمل للوجهين، إلا أن على هذا التقدير يكون مخصوصاً بقوله عليه السلام:"من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه". انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 66}
وقال ابن عاشور:
وعقّب الترخيص الذي رخّصه الله للنّاس في عدم المؤاخذة بأيمان اللغو فقال {واحفظوا أيمانكم} .
فأمر بتوخّي البرّ إذا لم يكن فيه حرج ولا ضُرّ بالغير، لأنّ في البرّ تعظيم اسم الله تعالى.
فقد ذكرنا في سورة البقرة أنّهم جرى معتادهم بأنّ يقسموا إذا أرادوا تحقيق الخبر، أو إلجاء أنفسهم إلى عمل يعزمون عليه لئلاّ يندموا عن عزمهم، فكان في قوله {واحفظوا أيمانكم} زجر لهم عن تلك العادة السخيفة.
وهذا الأمر يستلزم الأمر بالإقلال من الحلف لئلاّ يعرّض الحالف نفسه للحنث.
والكفّارة ما هي إلاّ خروج من الإثم.
وقد قال تعالى لأيّوب عليه السلام: {وخُذ بيدك ضِغثاً فاضرب به ولا تحنَث} [ص: 44] .
فنزّهه عن الحنث بفتوى خصّه بها. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 5 صـ}
قوله تعالى {كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
قال الفخر:
المعنى ظاهر، والكلام في لفظ لعلّ تقدم مراراً. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 66}
وقال ابن عاشور:
وجملة {كذلك يبيّن الله لكم آياته} تذييل.
ومعنى {كذلك} كهذا البيان يبيّن الله، فتلك عادة شرعه أن يكون بيّناً، وقد تقدّم القول في نظيره في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً} في سورة البقرة (143) .
وتقدّم القول في معنى لعلّكم تشكرون عند قوله تعالى: {يا أيّها الناس اعبدوا ربّكم} في سورة البقرة (21) . انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 5 صـ}