[من روائع الأبحاث]
مبحث نفيس للإمام الشاطبي
قال - عليه الرحمة:
الإكثار من الأسئلة مذموم
والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح
من ذلك قوله تعالى {أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}
الآية وفى الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قرأ {ولله على الناس حج البيت} الآية فقال رجل يا رسول الله أكل عام فأعرض ثم قال يا رسول الله أكل عام ثلاثا وفى كل ذلك يعرض وقال في الرابعة
والذي نفسي بيده لو قلتها لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ولو لم تقوموا بها لكفرتم فذروني ما تركتكم وفى مثل هذا نزلت {لا تسألوا عن أشياء} الآية وكره عليه الصلاة والسلام المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وكان عليه الصلاة والسلام يكره السؤال فيما لم ينزل فيه حكم وقال
إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها
وقال ابن عباس ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض صلى الله عليه وسلم كلهن في القرآن {ويسألونك عن المحيض} {ويسألونك عن اليتامى} {يسألونك عن الشهر الحرام} ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم يعني أن هذا كان الغالب عليهم وفى الحديث
إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم عليه فحرم عليهم من أجل مسألته وقال
ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وقام يوما وهو يعرف في وجهه الغضب فذكر الساعة وذكر قبلها أمورا عظاما ثم قال
من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا قال فأكثر الناس من البكاء حين سمعوا ذلك وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول سلوني فقام عبد الله ابن حذافة السهمي فقال من أبي فقال أبوك حذافة فلما أكثر أن يقول سلوني برك عمر بن الخطاب على ركبتيه فقال يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبينا قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك وقال أولا
والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر وظاهر هذا المساق يقتضي أنه إنما قال سلوني في معرض الغضب تنكيلا بهم في السؤال حتى يروا عاقبة ذلك ولأجل ذلك ورد في الآية قوله {إن تبد لكم تسؤكم}