قال - عليه الرحمة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا}
استئناف مَسوقٌ لبيان الأحكامِ المتعلقة بأمور دنياهم إثرَ بيانِ الأحوال المتعلقةِ بأمور دينهم، وتصديرُه بحرفي النداءِ والتنبيه لإظهار كمالِ العناية بمضمونه، وقولُه عز وجل: {شهادة بَيْنِكُمْ} بالرفع والإضافة إلى الظرف توسعاً، إما باعتبار جَرَيانِها بينهم، أو باعتبار تعلّقِها بما يجري بينهم من الخصومات، مبتدأ، وقوله تعالى: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت} أي شارفه وظهرت علائمُه، ظرفٌ لها، وتقديمُ المفعول لإفادة كمالِ تمكن الفاعل عند النفْس وقت ورودِه عليها، فإنه أدخلُ في تهوين أمر الموت، وقولُه تعالى: {حِينَ الوصية} بدلٌ منه لا ظرف للموت كما تُوُهِّم، ولا لحضوره كما قيل، فإن في الإبدال تنبيهاً على أن الوصية من المَهَمّات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهَلَ عنها، وقوله تعالى: {اثنان} خبرٌ للمبتدأ بتقدير المضاف، أي شهادةُ بينكم حينئذ شهادةُ اثنين، أو فاعلُ (شهادةُ بينكم) على أن خبرها محذوف، أي فيما نزل عليكم أن يشهد بينكم اثنان، وقرئ (شهادةٌ) بالرفع والتنوين، والإعرابُ كما سبق، وقرئ (شهادةً) بالنصب والتنوين على أن عاملها المضمرَ هو العامل في اثنان أيضاً أي ليُقِمْ شهادةً بينكم اثنان {ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ} أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وأنصح له، وأقرب إلى تحرِّي ما هو أصلح له. وقيل: من المسلمين وهما صفتان لاثنان {أَوْ آخَرَان} عطف على اثنان تابع له فيما ذُكر من الخبرية والفاعلية، أي أو شهادةُ آخَرَيْن أو أن يشهد بينكم آخران، أو ليقم (شهادةً بينكم) آخران، وقوله تعالى: {مِنْ غَيْرِكُمْ} صفةٌ (لآخَران) أي كائنان من غيركم أي من الأجانب، وقيل: من أهل الذمة، وقد كان ذلك في بدء الإسلام لعزة وجود المسلمين لا سيما في السفر، ثم نسخ. وعن مكحول أنه نسخها قوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ}