105 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} ؛ أي: الزموا أنفسكم واحفظوها من ملابسة الضلال والمعاصي والإصرار على الذنوب، وانظروا فيما يقربها من ربها ويخلعها من عقابه {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلّ} ؛ أي: لا يضركم ضلال من ضل من أهل الكتاب والمشركين وسائر الكفار والفساق {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} للحق أنتم في أنفسكم، وفي حق غيركم؛ بأن يعظ بعضكم بعضًا، ويرغب بعضكم بعضًا في الخيرات، وينفره من القبائح والسيئات.
وهذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الشوكاني: وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية .. فليس بمهتدٍ، وقد قال الله تعالى: {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبًا مضيقًا متحتمًا، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررًا يسوغ له معه الترك؛ أي: فيحرم عليه ذلك حينئذ إذا أدَّى إلى الوقوع في التهلكة.
فصل في ذكر نبذة مما يتعلق بالآية
فَإِنْ قُلْتَ: هل يدل ظاهر هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
قلتُ: لا يدل على ذلك، والذي عليه أكثر الناس أن المطيع لربه عَزَّ وَجَلَّ لا يكون مؤاخذًا بذنوب أصحاب المعاصي، فأمَّا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فثابت بدليل الكتاب والسنة.