[فوائد لغوية وإعرابية]
قال ابن عادل:
"جَعَلَ"يجوز أن يكون بمعنى"سَمَّى"ويتعدَّى لمفعولَيْن، أحدهما محذوف، والتقدير: ما جَعَلَ - أي ما سَمَّى - اللَّهُ حيواناً [بَحِيرَةً] .
قاله أبو البقاء.
وقال ابن عطيَّة والزمخشريُّ وأبو البقاء:"إنَّها تكونُ بمعنى شرَعَ ووضَعَ، أي: ما شَرَعَ اللَّهُ ولا أمَرَ"، وقال الواحديُّ - بعد كلامٍ طويلٍ -"فمعنى ما جعل اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ: ما أوْجَبَهَا ولا أمَرَ بِهَا"، وقال ابنُ عطيَّة:"وجَعَلَ في هذه الآيةِ لا تكُونُ بمعنى"خَلَقَ"؛ لأنَّ الله خَلَقَ هذه الأشياء كلَّها، ولا بمعنى"صَيَّرَ"؛ لأن التصْييرَ لا بُدَّ له من مفعولٍ ثانٍ، فمعناه: ما سَنَّ الله ولا شَرَعَ".
ومنع أبو حيان هذه النقولاتِ كلَّها بأنَّ"جَعَلَ"لم يَعُدُّ اللغويُّون من معانيها"شَرَعَ"، وخرَّجَ الآية على التَّصْييرِ، ويكونُ المفعولُ الثاني محذوفاً، أي: ما صيَّّر الله بَحِيرَة مَشْرُوعَةً، وفي قوله لم يَعُدَّ اللغويُّون في معانيها"شَرَعَ"نظرٌ؛ لأن الآية المتقدمة تدل على ذلك وهي قوله: {جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لِّلنَّاسِ} [المائدة: 97] .
والبَحِيرَة: فعيلَةٌ بمعنى مفعُولَة، فدخولُ تاءِ التأنيثِ عليها لا ينقاس، ولكن لَمَّا جَرَتْ مَجْرَى الأسماءِ الجَوَامِد أُنِّثَتْ، وقد تقدم إيضاح هذا في قوله {والنطيحة} [المائدة: 3] ، واشتقاقُها من البَحْرِ، والبَحْرُ: السَّعَةُ، ومنه"بَحْرُ المَاءِ"لِسَعَتِه وَهِيَ النَاقَةُ المَشْقُوقَةُ الأُذُنِ، يُقَالُ: بَحَرتُ أذن النَّاقَة إذَا شَقَقْتهَا شقّاً واسعاً، والنَّاقَةُ بَحِيرةٌ ومَبْحُورَةٌ.