فصل
قال الفخر:
هذا معطوف على قوله {إِذْ قَالَ الله يا عيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ} [المائدة: 110] وعلى هذا القول فهذا الكلام إنما يذكره لعيسى يوم القيامة، ومنهم من قال: إنه تعالى قال هذا الكلام لعيسى عليه السلام حين رفعه إليه وتعلق بظاهر قوله {وَإِذْ قَالَ الله} وإذ تستعمل للماضي، والقول الأول أصح، لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله {هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119] والمراد به يوم القيامة، وأما التمسك بكلمة إذ فقد سبق الجواب عنه. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 111}
وقال القرطبي:
اختلف في وقت هذه المقالة؛ فقال قَتَادة وابن جُرَيْج وأكثر المفسرين: إنما يقول له هذا يوم القيامة.
وقال السّدي وقُطْرُب.
قال له ذلك حين رفعه إلى السماء وقالت النصارى فيه ما قالت؛ واحتجوا بقوله: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118] فإنّ"إذْ"في كلام العرب لما مضى.
والأول أصح؛ يدل عليه ما قبله من قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل} [المائدة: 109] الآية وما بعده {هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119] .
وعلى هذا تكون"إذ"بمعنى"إذا"كقوله تعالى: {وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ} [سبأ: 51] أي إذا فَزِعوا.
وقال أبو النجم:
ثم جزاه الله عنِّي إذ جَزَى ... جنّاتِ عَدْنٍ في السّموات العُلاَ
يعني إذا جزى.
وقال الأسود بن جعفر الأزدي:
فالآن إذْ هازَلْتُهُنّ فإنّما ... يَقُلْنَ أَلاَ لَمْ يذهبِ الشَّيخ مَذهباً
يعني إذا هازلتهنّ، فعبر عن المستقبل بلفظ الماضي؛ لأنه لتحقيق أمره، وظهور برهانه، كأنه قد وقع.
وفي التنزيل {ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة} [الأعراف: 50] ومثله كثير وقد تقدم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 6 صـ}
فصل
قال الفخر:
في قوله {أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله} سؤالان:
أحدهما: أن الاستفهام كيف يليق بعلام الغيوب.
وثانيهما: أنه كان عالماً بأن عيسى عليه السلام لم يقل ذلك فلم خاطبه به؟ فإن قلتم الغرض منه توبيخ النصارى وتقريعهم فنقول: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى ومريم مع القول بنفي إلهية الله تعالى فكيف يجوز أن ينسب هذا القول إليهم مع أن أحداً منهم لم يقل به.
والجواب: عن السؤال الأول أنه استفهام على سبيل الإنكار.