الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ ... (116) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ، إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِعِيسَى حِينَ رَفَعَهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ أَنَّهُ يَقُولُ لِعِيسَى ذَلِكَ فِي الْقِيَامَةِ.
فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ {وَإِذْ} بِمَعْنَى (وَإِذَا) ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا} بِمَعْنَى: يَفْزَعُونَ. وَكَمَا قَالَ أَبُو النَّجْمِ:
[البحر الرجز]
ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إِذْ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي الْعَلَالِيِّ الْعُلَا
وَالْمَعْنَى: إِذَا جَزَى. وَكَمَا قَالَ الْأَسْوَدُ:
[البحر الطويل]
فَالْآنَ إِذْ هَازَلْتُهُنَّ فَإِنَّمَا ... يَقُلْنَ أَلَا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبَا
بِمَعْنَى: إِذَا هَازَلْتُهُنَّ. وَكَأَنَّ مَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ هَذَا، وَجَّهَ تَأْوِيلَ الْآيَةِ إِلَى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} فِي الدُّنْيَا، وَأُعَذِّبُهُ أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ، {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} .