قوله - جلَّ جلالُه: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ... (112) .
أي: يوافقك ربك على هذا، هل يفعل لك ذلك؛ ليس من الاستطاعة المعهودة عندنا فقول:"لا أستطيع كذا"إنما هو من
الطوع والاستجابة.
وقرئت: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) معناه: وهل لك
عنده من الجاه والحظوة هذا؟!
(فصل)
مائدة من السماء معناه، قال الله - جلَّ جلالُه: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) والحواريون موصوفون بالعلم،
ممدوحون بحسن الإجابة، كقوله جلَّ قوله: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ(111) .
وقوله:(كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ
الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ).
وكقوله: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(53)
وليس ما قال الله - جل قوله - هَاهُنَا، وحكاه عنهم من جنس ما تقدم
من حسن الاستجابة، والتوقير لرسولهم - رضي الله عن جميعهم - وهو الحق
وقوله الحق، فظاهر قولهم هنا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ)
إما أن يكون جهلاً منهم بالله جلَّ ذكره أو جهلا منهم بمنزلة الرسول - صلوات الله
وسلامه عليه - وكذلك ردَّه - عليه السَّلام - على هؤلاء القائلين: (اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
وكذلك قول هؤلاء له - عليه السَّلام: (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ
صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) . هذا كله غير معروف منهم، ولا