فصل
قال فِي الميزان:
(بيان) مشافهة الله رسوله عيسى ابن مريم في أمر ما قالته النصارى في حقه، وكأن الغرض من سرد الآيات ذكر ما اعترف به (عليه السلام) وحكاه عن نفسه في حياته الدنيا: أنه لم يكن من حقه أن يدعى لنفسه ما ليس فقد كان بعين الله التي لا تنام ولا تزيغ، وأنه لم يتعد ما حده الله سبحانه له فلم يقل إلا ما أمر أن يقول ذلك، واشتغل بالعمل بما كلفه الله أن يشتغل به وهو أمر الشهادة، وقد صدقه الله تعالى فيما ذكره من حق الربوبية والعبودية.
وبهذا تنطبق الآيات على الغرض النازل لاجله السورة، وهو بيان الحق المجعول لله على عباده أن يفوا بالعهد الذي عقدوه وأن لا ينقضوا الميثاق، فليس لهم أن يسترسلوا كيفما أرادوا وأن يرتعوا رغدا حيث شاؤا فلم يملكوا هذا النوع من الحق من قبل ربهم، ولا أنهم قادرون على ذلك من حيال أنفسهم، ولله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير، وبذلك تختتم السورة.
قوله تعالى:"وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم، أأنت قلت للناس اتخذوني وأمى إلهين من دون الله""إذ"ظرف متعلق بمحذوف يدل عليه المقام، والمراد به يوم القيامة لقوله تعالى فيها:"قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم"وقول عيسى عليه السلام فيها"وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم".
وقد عبرت الآية عن مريم بالامومة فقيل:"اتخذوني وأمى إلهين"دون أن يقال:"اتخذوني ومريم إلهين"للدلالة على عمدة حجتهم في الألوهية وهو ولادته منها بغيرأب، فالبنوة والأمومة الكذائيتين هما الأصل في ذلك فالتعبير به وبأمه أدل وأبلغ من التعبير بعيسى ومريم.