[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
وأمّا تعلّق الملحدة والقدرية بقوله تعالى: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} [العنكبوت: 17] ، {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} ، و {إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 137] ، و {فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} [المؤمنون: 14] ، وأنّ ذلك أجمع على زعم الملحدة خاصة نقيض قوله: {هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3] ، {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20] ، وقوله: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ} [الرعد: 16] ، فإنّه باطل لا تعلّق فيه لأنّ الآيات الأولة كلها وردت لنفي الخلق والإبداع وإكذاب من قال إنّه أو بعض من يعبده يخلق ويبتدع ويخترع وهو بمثابة قوله: {مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} [القصص: 72] ، و {أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ} ونحوهما مما نفي به إله غير الله، وليس يجب إذا وصل قوله: {هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} بقوله: {يَرْزُقُكُمْ} [فاطر: 3] ، أن يكون إنّما نفى بذلك خالقا غير الله يرزق على ما تزعم القدريّة كما لا يجب إذا وصل قوله: {مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ} بقوله: {يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} ، أن يكون إنّما نفى إلها غير الله يأتي بليل، ولم ينف إلها لا يأتي بليل، لأنّ هذا ليس بقول لمسلم أنّه امتدح بنفي إله معه كما امتدح بنفي خالق وغيره معه على كل وجه، فلذلك قال: {هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: 11] ، ولو كانوا يخلقون أجناسا وأعيانا من الأعراض لقالوا هذه الأشياء كلّها من خلق الله وهذه كلّها كخلق الله ومثله، فوجب أن يكون كلّ ما قدّموه من نفي خالق غير الله على النفي والمدح على الحقيقة.