فأمّا قوله: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} ، فإنّما يعني به أنّكم تختلقون كذبا، لأنّ الخلق يكون بمعنى الاختلاق الذي هو الكذب، ومنه قولهم: حديث مخلوق يعنون مختلق متكذب وقوله: {إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} إنّما هو حكاية عن قول الكفار في القرآن، وإنّما عنوا به أنّه من كذب الأولين، وقوله: {فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} إنّما يعني به - وهو أعلم - أحسن المصورين تصويرا وأحسن المقدّرين تقديرا، لأنّ الخلق يكون بمعنى التصوير والتقدير، وكذلك التأويل في قوله: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} يعني تصوّر وتقدّر، والتصوير والتقدير قد يوصف به الخلق كما يوصف به الخالق، وليس التقدير والتصوير من الإبداع والإنشاء في شيء ، فإنّما نفى خالقا غيره مبدعا منشئا، ولم ينف مصوّرا ومقدّرا غيره، وليس معنى المصوّر أنّه خلق الصورة والتصوير، ولا معنى المقدّر أنّه خلق الفكر والتقدير، وإنّما معناه أنّ له تقديرا وتصويرا، وهل هو خالق لما هو له من ذلك أو غير خالق له؟ معتبر بالدليل.
قال الحجاج:
إني لا أهمّ إلّا أمضيت ... ولا أخلق إلا فريت
يعني: أقدر إلا أمضيت، وهذا التقدير فكر وروية وطلب للعلم بصواب العاقبة، وهذا غير جائز على الله سبحانه.
وقال الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت وبعض ال ... قوم يخلق ثم لا يفري
يعني بذلك تقدّر ما تمضيه وتنفذه، ومنهم من يقدّر ويفكّر ولا يمضي لتردّده وتشكّكه أو تهيّئه ورهبته، وذلك أيضا غير جائز على الله سبحانه، وقال آخر:
ولا نيط بأيدي الخالقين ولا ... أيدي الخوالق إلا جيّد الأدم
يريد بأيدي المقرّبين والمصوّرين، وهذا التقدير الذي معناه التصوير للشيء يجوز على الخلق وعلى الخالق سبحانه، فقوله: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ} يعني تصوّر، وقوله: {أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} ، يريد أحسن المصوّرين تصويرا، فصار التقدير ضربين:
أحدهما فكر وروية واستخراج صواب العاقبة وذلك ممتنع على الله سبحانه.