94 -قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} الآية
قد ذكرنا معنى ابتلاء الله في قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ} [آل عمران: 186] ، والواو في {لَيَبْلُوَنَّكُمُ} مفتوحة لالتقاء الساكنين، ومعناه: ليختبرن طاعتكم من معصيتكم، أي: ليعاملنكم معاملة المختبر، قال مقاتل بن حيان: كان هذا عام الحديبية، كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم كثيرة وهم محرمون، لم يروها قط فيما خلا، فنهاهم الله عنها ابتلاء.
وقوله تعالى: {بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} إنما بَعَّض لأنه عني صيد البر دون صيد البحر، وهو قول الكلبي، قال: أراد صيد البر خاصة.
قال الزجاج: ويحتمل التبعيض أن ينصرف إلى صيد الإحرام دون صيد الإحلال، فكان ذلك بعض الصيد، وجائز أن يكون قوله: {بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} للتجنيس، فتكون (من) ههنا تُبيِّن جنسًا من الأجناس، كما تقول: لأمتحنَنَّك بشيء من الوَرِق، أي بالجنس الذي هو وَرِق، ومن هذا قوله تعالى: {الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30] ، والأوثان كلها رجس، والمعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو وثن، وأراد بالصيد المفعول بدليل قوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} والصيد إذا كان بمعنى المصدر يكون حدثًا، وإنما يوصف بنيل اليد والرماح ما يكون عينًا، والذي تناله الأيدي من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار، وهذا قول ابن عباس والكلبي ومجاهد والفراء والزجاج.
وقوله تعالى: {لِيَعْلَمَ اللَّهُ} ، قال المفسرون: ليرى الله، وقد مضى بيان ذلك في قوله تعالى: {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة: 143] .