قال الفخر:
قوله {ذلك} إشارة إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة، أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، إلا أنه حذف ذكر الحنث لكونه معلوماً، كما قال: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أي فأفطر.
احتج الشافعي بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز فقال: الآية دلّت على أن كل واحد من الأشياء الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف، فإذا أداها بعد الحلف قبل الحنث فقد أدى الكفارة عن ذلك اليمين، وإذا كان كذلك وجب أن يخرج عن العهدة.
قال: وقوله {إِذَا حَلَفْتُمْ} فيه دقيقة وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فإنه يجوز. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 66}
وقال ابن عاشور:
وقوله: {ذلك كفّارة أيمانكم} إشارة إلى المذكور، زيادة في الإيضاح.
والكفّارة مبالغة في كفَر بمعنى ستَر وأزال.
وأصل الكَفْر بفتح الكاف الستر.
وقد جاءت فيها دلالتان على المبالغة هما التضعيف والتاء الزائدة، كتاء نسَّابة وعلاّمة.
والعرب يجمعون بينهما غالباً.
وقوله: {إذا حلفتم} أي إذا حلفتم وأردتم التحلّل ممّا حلفتم عليه فدلالة هذا من دلالة الاقتضاء لظهور أن ليست الكفّارة على صدور الحلف بل على عدم العمل بالحلف لأنّ معنى الكفارة يقتضي حصول إثم، وذلك هو إثم الحِنث.
وعن الشافعي أنّه استدلّ بقوله: {كفّارة أيمانكم إذا حلفتم} على جواز تقديم الكفّارة على وقوع الحنث، فيحتمل أنّه أخذ بظاهر إضافة {كفّارة} إلى {أيمانكم} ، ويحتمل أنّه أراد أنّ الحلف هو سبب السبب فإذا عزم الحالف على عدم العمل بيمينه بعد أن حلف جاز له أن يكفّر قبل الحنث لأنّه من تقديم العوض، ولا بأس به.
ولا أحسب أنّه يعني غير ذلك.
وليس مراده أنّ مجرّد الحلف هو موجب الكفّارة.