قال - رحمه الله:
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}
موقع هذه الآية دقيق، ومعناها أدقّ، وإعرابها تابع لدقّة الأمرين.
فموقعها أدقّ من موقع نظيرتها المتقدّمة في سورة البقرة (62) ، فلم يكن ما تقدّم من البيان في نظيرتها بمغن عن بيان ما يختصّ بموقع هذه.
ومعناها يزيد دقّة على معنى نظيرتها تبعاً لدقّة موقع هذه.
وإعرابها يتعقّد إشكاله بوقوع قوله: {والصابون} بحالة رفع بالواو في حين أنّه معطوف على اسم {إنّ} في ظاهر الكلام.
فحقّ علينا أن نخصّها من البيان بما لم يسبق لنا مثله في نظيرتها ولنبدأ بموقعها فإنّه مَعْقَد معناها:
فاعلم أنّ هذه الجملة يجوز أن تكون استئنافاً بيانياً ناشئاً على تقدير سؤال يخطر في نفس السامع لِقوله: {قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتّى تقيموا التّوراة والإنجيل} [المائدة: 68] فيسأل سائل عن حال من انقرضوا من أهل الكتاب قبل مجيء الإسلام: هل هم على شيء أو ليسوا على شيء، وهل نفعهم اتّباع دينهم أيّامئذٍ؛ فوقع قوله: {إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا} الآية جواباً لهذا السؤال المقدّر.
والمراد بالّذين آمنوا المؤمنون بالله وبمحمّد صلى الله عليه وسلم أي المسلمون.
وإنّما المقصود من الإخبار الّذين هَادوا والصابون والنّصارى، وأمّا التعرّض لذكر الّذين آمنوا فلاهْتمامٍ بهم سنبيّنه قريباً.