(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(87)
اعتبر القرآن الذين قالوا إنا نصارى أقرب مودة للذين آمنوا، وزاد أن السبب في ذلك أن فيهم قسيسين ورهبانا، وذكر في نص آخر أن فيهم رأفة ورهبانية ابتدعوها، والرهبانية تقتضي التقشف والحرمان من أكثر طيبات الحياة، والإسلام لم يأت بهذا، بل جاء شريعة وسطا بين المادية الشرسة العنيفة، والروحانية المتخلصة من حاجات الجسم تخلصا، بل الإسلام أباح الطيبات وحرم الخبائث، ولم يقرر أن تعذيب الجسم من القربات، وقرر أن المشقات تحتمل إذا كان من الممكن الاستمرار عليها، ولذلك جاء النص الكريم بإباحة الطيبات بعد الإشارة إلى الرهبانية فقال:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَل اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) النداء موجه للذين آمنوا بوصف أنهم مؤمنون، أي أنه ليس من الإيمان أن تحرموا الطيبات التي أحلها الله تعالى من لحم طرى، وسمك شهي، وشراب سائغ، وزوجات هن زهرات هذا الوجود، فالطيبات هي المشتهيات الحلال، التي تستطيبها النفس ولا تمجها، فإنها بناء الجسم ومصدر قوته على الجهاد، وتطلق الطيبات على ما كان طريق كسبها حلالا لَا خبث فيه، وكلمة (ما أحل الله لكم) إشارة إلى أن الله تعالى أحلها، فتحريمها معاندة لله، ويدخل فاعل ذلك ضمن من يشملهم قوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ. . .) .
ومعنى تحريمها أن يأخذوا على أنفسهم ميثاقا بألا يتناولوها، فليس التحريم في معنى الترك الجرد، فقد يتركها؛ لأنه لَا يستسيغها، أو يتركها لمرض، أو يتركها عفوا من غير سبب، أما تركها بعهد يعهده وميثاق يأخذ نفسه به فهذا هو التحريم.
وروي في سبب نزول هذه الآية حديث نبوي شريف نذكره مع طوله نسبيا لأنه يبين معنى هذه الشريعة السمحة.