قال - رحمه الله:
قوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً} الآية.
قوله: {قِسِّيسِينَ} هو جمع (قسِّيس) مسلماً، (و) تكسيره على (قساوسة) ، أُبدل من إحدى السينات واواً. ويقال: (قَسٌّ) في معناه، وجمعه (قُسُوس) ، ويقال للنميمة (قَسَّ) .
ورهبان جمعه رهابنة ورهابين.
والمعنى: لتجدن - يا مُحَمَّد - أشد الناس عداوة للذين اتبعوك، فآمنوا بك {اليهود والذين أَشْرَكُواْ} ، وهم عبدة الأوثان، ولتجدن أقربهم مودة لمن آمن بك، النصارى.
{ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن الحق.
وهذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر من نصارى الحبشة لما سمعوا القرآن أسلموا."وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وَأَصْحَابٍ له أسلموا".
قال سعيد بن جبير: بعث النجاشي وفداً إلى النبي، فقرأ عليهم القرآن
فأسلموا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم.
قال ابن عباس: بعث النبي - وهو بمكة، حين خاف على أصحابه من المشركين - نفراً إلى النجاشي، منهم: ابن مسعود وجعفر بن أبي طالب، فبلغ ذلك المشركين، فبعثوا عمرو بن العاصي في رهط إلى النجاشي يحذرونه من محمد، فسبق أصحاب المشركين، فقالوا للنجاشي: خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها وقد بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك بخبرهم، قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون (لي) ، فقدم أصحاب النبي، فأتوا باب النجاشي، وقالوا: استأذِنوا لأَولياء الله، فقال: ائذن لهم، فمرحباً بأولياء الله. فلما دخلوا عليه، سلموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى - أيها الملك - لم يحيوك بتحيتك!